Yahoo!

حذف الاصفار من العملة…اختيار أم إجبار؟

كتبهاعراقي شريف ، في 10 كانون الأول 2011 الساعة: 17:59 م

حذف الاصفار من العملة…اختيار أم إجبار؟

 الكاتب : خالد الخفاجي

يمكننا وبلا أدنى شك, من إدراج مشروع حذف الاصفار من العملة المحلية ضمن المشاريع الديكورية والشكلية التي اعتادت الحكومة على اتخاذها دون مبرر وهدرا صارخا للمال العام كان يمكن استغلاله في انجاز مشاريع حقيقية بدلا من هذه المشاريع الفاشلة, ويؤشر بشكل واضح الى عدم قدرتها على تقييم الأمور بموضوعية ورضوخها طواعية لتبني حلولا عقيمة تسعى من خلالها لطمس معالم العجز والفشل وكيفية التعاطي مع الاختلالات الاقتصادية.

وما يجعلنا نرتاب ونتوجس من هذا الإجراء ونتيقن من نواياه الحقيقية وما إذا كان لخدمة الاقتصاد الوطني أم لخدمة جهات خارجية متمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين استغلت ضعف وهزال الحكومة العراقية وأخذت تمرر القوانين والتعليمات لتتبناها وهي صاغرة مقابل مايقدمانه من قروض تسد به عجز موازناتها العامة التي تذهب هباء من دون الشعور ولو جزئيا بأي تحسن يطرأ على الاقتصاد الوطني او في مستوى معيشة الفرد, فقد استعد البنك المركزي لهذا الإجراء بحملة دعائية تمويهية استمرت لأكثر من عام استعان فيها ببعض الشخصيات البائسة كان يقدمهم على انهم خبراء ومن العارفين بخفايا الاقتصاد للترويج لأهداف ومزايا وهمية وكاذبة, لم يتورع احدهم من اتهام المعترضين على هذا الإجراء بأنهم (طابور خامس) ولا يريدون للعراق خيرا ومن دون الدخول معهم في حوارات مهنية لبيان وجهة نظرهم لضعف حججهم, فمن المعلوم إن إجراء حذف الاصفار يأتي بعد سلسلة من الإجراءات الفاعلة التي تؤدي الى رفع قيمة العملة الحقيقية (قدرتها الشرائية) واستقرارية السوق وخفض مستويات التضخم لمستوياته الطبيعية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ومن ثم يكمل بإجراء حذف الاصفار كاختزال رقمي يفيد في التعاملات الحسابية فقط ولا علاقة له بتحسين قيمة العملة او معالجة التضخم, وقد نجحت عملية حذف الاصفار في كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية للكفاءة الاقتصادية التي تمتعا بها, وقد فشلت عملية حذف الاصفار في تركيا التي حذفت (6) أصفار ولبنان (3) أصفار من عملتيهما فعادت الاصفار تدريجيا الى الظهور وكان الحذف لم يتم بسبب غياب الرؤى والمعالجات الاقتصادية الحقيقية, ولعل الوضع السياسي المتأزم والاقتصادي المتدهور في العراق لن يكون مطلقا سببا في نجاح هذا الإجراء ولن نجني منه سوى التكاليف المادية الباهظة والفوضى التي ستعم السوق المحلي .

وقد تبدو أضرار حذف الاصفار متواضعة جدا إذا ما قورنت بعملية رفع قيمة العملة المحلية والذي سيقترن بعملية الحذف ومعادلة الدينار بالدولار الأميركي, فهذا الإجراء هو بالضد تماما من الإجراء الواجب إتباعه لمعالجة التضخم والعجز المزمن في الموازنات العامة والتي تتطلب خفضا لقيمة العملة وليس رفعها, فالتضخم وانهيار قيمة العملة الوطنية و(الدولرة) وزيادة حجم الإصدار النقدي ماهي إلا انعكاسا ونتيجة حتمية للسياسات الفاشلة التي اتبعها البنك المركزي, ولن ينقذه إجراء حذف الاصفار من التخلص من هذه المشاكل, وان رفعه المستمر لقيمة العملة الوطنية أدى إلى زيادة النقد المتداول في السوق وخلق مشكلة (التضخم الذاتي) والذي يقترن أيضا بزيادة الإنفاق الحكومي , وخلق أسوأ أنواع التضخم وهو (التضخم المفرط) الذي تتلاشى فيه قيمة العملة الوطنية إلى درجة الانهيار,  فوجود التضخم يعني فشل السياسة النقدية في تحقيق أهم أهدافها وهو تحقيق الاستقرار العام في الأسواق وهذا يؤدي حتما إلى التوجه إلى عملة أكثر استقرارا وأكثر قبولا فينتج عن ذلك سياسة ( الدولرة ), لذلك فان الإجراءات المقترحة هي إجراءات بعيدة عن المعالجات الحقيقية للمشكلة, ولن ترفع من قيمة العملة الوطنية الحقيقية وستزيد من تدهورها, فهي ستزيد من النقد المتداول في السوق المحلية بمقدار الزيادة في القيمة المقترحة, تنشا عن هذه الزيادة المزيد من الطلب على السلع والخدمات والدخول في مضاربات مالية إضافية وتفاقم مشكلة التضخم وتزيد من تدهور قيمة العملة الحقيقية وقدرتها الشرائية, وتدفع أصحاب الرساميل العراقيين الى زيادة نسبة استبدالهم للعملة الوطنية بعملات أجنبية واستثمارها في الخارج, وهذا الإجراء أيضا سيؤدي الى تفاقم العجز في الموازنات العامة, حيث ستنخفض فيه عائدات الدولة من العملة المحلية التي تتشكل منها الموازنة العامة بمقدار الزيادة في قيمة العملة, وما يتبع ذلك من زيادة نسبة الاقتراض الخارجي وكلفه الباهظة المادية والسياسية, وضياع فوارق زيادة الإنتاج النفطي بتعويض انخفاض عائدات الدولة من العملة المحلية, ونذكر كما دأبنا على التذكير عليه مرارا من إن رفع قيمة العملة يؤدي الى ارتفاع كلف الإنتاج المحلي مقابل انخفاض قيمة الإنتاج المستورد ويقضي على ما تبقى من القطاعات الإنتاجية العراقية لعدم قدرتها على المنافسة بسبب فروقات الأسعار والتكاليف الإضافية التي يتحملها المنتج العراقي لغياب الخدمات والبنى التحتية والفساد وعدم استقرار السوق, وهذا سيشجع على استيراد السلع والخدمات من الخارج بدلا من الاعتماد على الإنتاج المحلي وسيعزف المستثمر سواء المحلي او الأجنبي عن الاستثمار في السوق المحلي, وستضاف أعدادا أخرى الى جيش العاطلين الذين لم تجد الدولة حلا لازمتهم وهي من خلقها لهم.

وإذا ما تجاوزنا مزاعم البنك المركزي ومزاياه الكاذبة فان هذا الإجراء هو ضمن إستراتيجية مفروضة لتدمير الاقتصاد الوطني معدة بإتقان من قبل مستشاري البنك والصندوق الدوليين لجعل العراق زبونا نهما على قروضهما لسد العجز المفتعل في موازناته العامة, ولا قدرة لمجلس الوزراء سوى الموافقة والرضوخ لتنفيذها, وتتمثل في خلق تضخم بمستويات عالية تفقد العملة المحلية لقيمتها الحقيقية وتدهورها, ثم رفع قيمة العملة المحلية الاسمية ذات القيمة المتدهورة وتحسين سعر صرفها, ومعادلتها بالدولار الأميركي (وحذف الاصفار من العملة ليكون الدينار الواحد = دولار واحد) ليفقد هو الآخر قيمته في السوق المحلية, ويؤدي الى زيادة إنفاق الدولة وإضعاف إيراداتها وزيادة العجز في موازناتها العامة, وإلغاء القيود الوطنية عن حركة رؤوس الأموال بذريعة حماية الاستثمارات الأجنبية لإفراغ السوق المحلية من العملات الأجنبية وهروبها للخارج لعدم جدوى الاستثمار فيه, وإخضاع العراق لهيمنة البنك والصندوق الدوليين وإبقاءه تحت وصايتهما, وسيطرة الاستثمارات الأجنبية على السوق المحلية وتحكمها وإمكانية زعزعة الوضع الاقتصادي والسياسي فيه متى ما تشاء.

هذه هي ملامح سيطرة مؤسسات (بريتن وودز) على الاقتصاد الوطني وأسلوبها في السيطرة على الأنظمة الضعيفة والفاشلة لإدامة عملها ونهب مقدراتها, فهل سيعي  مجلس الوزراء ما يدور من حوله وسبب تفاقم أزماتنا الاقتصادية أم سيبقى رهينة لمخططاتهما وسيكتفي بتقديم الشكر والثناء لخبرائهما على تقديمهم النصح والمشورة على تدمير الاقتصاد الوطني !!

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أقتصاد |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك