قضية الرموز والرجال التاريخين في النظام الديمقراطي
كتبهاعراقي شريف ، في 18 كانون الثاني 2012 الساعة: 12:37 م
قضية الرموز والرجال التاريخيين في النظام الديمقراطي
الكاتب : د . جعفر المظفر
حزب الدعوة الذي يترأسه المالكي حاليا يكاد يخلو من أية شخصية تنافسه على الزعامة حتى بات من الصعوبة حقا التعرف على شخصية الظل التي يمكن لها أن تملك الشعبية الكافية والمكانة اللازمة لملأ المركز حال فراغه لأي سبب من الأسباب. وهناك أحزاب وتجمعات أخرى تعيش ذات الحالة من حيث عروض الرجل الواحد أو ما يسمى بـ "ألمان شو" ومثال ذلك زعامة علاوي للوفاق وزعامة الصدر للتيار المسمى باسمه, وأيضا عائلة الحكيم بما يتعلق بالمجلس الإسلامي. وقضية الرموز أو الرجال التاريخين توجد بقوة أيضا بين صفوف الأكراد وخاصة على صعيد الحزبين الديمقراطي والإتحاد اللذين يقودهما كل من البارزاني والطالباني.
بالنسبة للنظم الديمقراطية تشكل قضية الرموز, أو ما يسمى بالرجال التاريخيين, معضلة حقيقة قد تحول النظام السياسي برمته إلى نظام إقطاعي تتوزع مصادر قراره ومراكز توجهاته على حفنة من الرجال الذين يفرضون من خلال "نظرية الرموز" هيمنتهم على النظام بشقيه, السلطة والمعارضة, وذلك لجيل كامل أو لأجيال متعاقبة, وهم بذلك مرشحون وأبناءهم وأحفادهم للبقاء في سدة الحكم إلى ما شاء الله.
بهذا الاتجاه فإن النظام "الديمقراطي" سيفلح بالقضاء على نظام الرجل الواحد, ولكن ليس شرطا أنه سيفلح بتأسيس نظام شعبي مفتوح على ولادات زعامية متجددة باستمرار, وإنما قد يكون طريقة لتوزيع سلطة الرجل الواحد على مجموعة من الرجال الذين يتحولون بسبب ظروف معينة إلى رموز تاريخية لا يجوز الاقتراب منها حتى ولو من باب النقد وتأشير الأخطاء.
وهكذا سيقذف علينا النظام الديمقراطي بمجموعة من الدكتاتوريين بدلا من البقاء تحت حكم الدكتاتور الواحد الأمر الذي ينقل هذا النظام من خانته الديمقراطية إلى خانة جديدة يمكن أن نسميه من خلالها بنظام "الدكتاتوريات الديمقراطية" والذي يمكن اختصاره بمفردة واحدة هي "الدكتوقراطية".
وإن أفضل مثال على وجود نظام "دكتوقراطي" كهذا هو الحالة اللبنانية التي لم تتوقف على احتكار السلطة من قبل "رموز"جيل واحد وإنما امتد هذا الاحتكار إلى الجيل التالي حيث ورث الأولاد سلطة آباءهم, وهناك الآن رجال من الجيل الثالث من العائلات نفسها قد بدأ توافدهم الفعلي على السلطة, حكومة ومعارضة.
إن أسماء مثل شمعون والجميل وجنبلاط وأدة وبري والخليل ظلت لجيل كامل على قمة هرم السلطة اللبنانية, حيث سلم هؤلاء الراية لأبنائهم من بعدهم, ومن المتوقع أن يورث الآباء للأحفاد سلطة تحولت بعناوين ديمقراطية إلى نظام ملوك توريثي بدلا من نظام الملك الواحد أو الدكتاتور الواحد.
لا يتوقف خطر نظام "الرموز الوطنية والتاريخية" على منع الولادات الجديدة الضرورية لخلق قيادات شعبية من شانها أن تضخ دماء جديدة من خارج منظومة وثقافة مجتمع السلطة ذاتها, وإنما هو قد يمتد لتكون له انعكاساته على الأحزاب والتجمعات التي أنتجت هؤلاء الرموز, أو الذين كانوا هم من أنتجها, وذلك بالاتجاه الذي يخلق حزب الرجل الواحد, أو يهيأ الظرف لتحويل هذا الحزب تدريجيا من حزب مجموعة إلى حزب رجل تم تكونه أو تكوينه كـ "رمز" وطني وتاريخي.
ونحن نعلم إن "ثقافة الرموز والرجال التاريخين" ستؤدي حتما إلى تغييب عنصر الثقافة النقدية كأفكار وآليات وممارسات, وهذه الحالة كفيلة بتحويل الرمز إلى دكتاتور للحزب أو الحركة وتحويل النظام الديمقراطي برمته إلى نظام مشكل من مجموعة دكتاتوريات ديمقراطية, فالرمز هنا هو تسمية لفرد تمكن من اجتياز مرحلة الفرد الاعتيادي إلى درجة بلغ فيها مستوى من الكمال الذي لا يجيز الاقتراب منه إلا من خلال مراسيم إجلال قد تصل إلى حالة التعبد كما هي سائدة في نظم الدكتاتور الواحد.
عراقيا ثمة مؤشرات على أن ثقافة بهذا الاتجاه قد بدأ الخروج بها إلى العلن لتكون مادة أساسية لخطاب سياسي هدفه إطالة عمر "الرمز السياسي" ووضعه في مكانة بعيدة عن التناول النقدي, ففي تصريحات عدة لأكثر من حزب وتجمع هناك إشارات مباشرة لقضية إسمها الرموز, ولتحذيرات بعدم "الإساءة" إليها, وهناك محاولة لتجميع هذه الإشارات ضمن خطاب سياسي واحد يقر بمشروعية الرموز أو الرجال التاريخيين وصولا إلى تقسيم تاريخي لقضية السلطة حكومة ومعارضة.
فإذا ما نشأت أزمة كبيرة يتطلب حلها في النظام الديمقراطي الحقيقي تغييرا سياقيا لرجال السلطة فإن ثقافة الرمز في النظام الدكتوقراطي سوف تجعل ذلك صعبا إلى الغاية مما يجعل استمرار الأزمة يأتي كتحصيل حاصل. وغالبا ما يجري حل هذه الأزمة عن طريق التنازل للرمز وليس عن طريق التنازل عن الرمز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | دوّن الإدراج






















